cover.png

هبه الشملان

الرضا

— أغسطس 2026

من الممكن أنك الآن، أو أنك قد مررت يوماً، بمشاعر حزن بلغت بك إلى شيء من عدم الرضا. ولأن إيمان المرء يزيد وينقص، ولأننا لسنا منزهين عن الضعف ولا عن لحظات تضيق فيها النفس، حاولت حضور وسماع قليلا في باب الرضا؛ فأحببت أن أكتب هذه النثرات والخواطر البسيطة، علها تفرغ بعض ما في داخلي أولا، ثم تعينك أنت ولو قليلا.

وكثيرا ما نبحث عن الطمأنينة حيث لا تكون؛ نطلبها في مزيد نملكه، أو في إحكام قبضتنا على ما يجري حولنا، أو في مقارنة أنفسنا بمن حولنا، ثم نعجب كيف تزداد نأيا كلما اقتربنا منها. وقد سماها الدين باسم صار على الألسنة غريبا: الرضا. قال صلى الله عليه وسلم: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا”، فجعل حلاوة الإيمان كلها معلقة برضا؛ رضا بالرب، ورضا بالدين، ورضا بالمقضي خيره وشره.

وليس الرضا استسلامًا للعجز كما يظن، ولا تنازلًا عن السعي. وبينه وبين الصبر فرق دقيق فيه لب المسألة؛ فالصابر يمسك نفسه على المكروه وفي قلبه بقية ضيق وكراهية يجاهدها، وهذا واجب. أما الراضي فقد سكن قلبه فلم يبق فيه اعتراض؛ لا لأنه لا يتألم، بل لأن ثقته بمن قدر الألم بلغت به هذه الدرجة. فالصبر إمساك، والرضا طمأنينة؛ الأول يحبس القلب، والثاني يريحه.

وقد يقال: كيف أرضى بما أكره؟ والجواب أنهما يجتمعان ولا يتنافيان. فالمريض يتجرع الدواء المر ويحتمل علاجا ينهكه، وهو كاره لمرارته راض به؛ يكرهه لألمه الحاضر، ويرضى به لثقته بالطبيب وما يرجوه بعده من عافية. وكذلك قال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم). فمن وجد في نفسه ألما من مصيبة فليس ذلك قادحا في رضاه ما دام قلبه مسلما.

لكن أين يجد القلب هذه الطمأنينة؟ لا تنال بمحاولة إقناع النفس أن ما يؤلمها لا يؤلم، وإنما تنال حين يستقر فيه يقين واحد: أن ما نزل بي لم ينزل مصادفة ولا في لحظته. فالمصيبة التي تفاجئك اليوم كانت في علم الله قبل أن يخلق شيئا، ثم كتبها في كتاب محفوظ، ثم لما شاء وأذن تحولت من مكتوب إلى واقع بين يديك. فإذا استحضر القلب هذا التدرج انتقل من أن يمسك نفسه إلى أن يطمئن، ومن الصبر إلى التسليم. قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه)، قال ابن مسعود في تفسيرها: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ويخفف ألم البلاء عنك أن تعلم أن الله هو الذي ابتلاك؛ فما جاءك إلا من ربك الذي عودك حسن الاختيار.

وأعجب ما في أمر المؤمن أن حسابه رابح في الحالين، قال صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له”. فليس في حسابه خسارة صافية؛ العطاء باب إلى الشكر، والبلاء باب إلى الصبر ورفعة الدرجة. وإن أخذ منه شيء علم أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فمن ذا الذي ينازع المالك في ملكه؟ ثم إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، وفي البلاء خيره في دينه ودنياه وإن كره.

فلماذا نفتقد الرضا مع هذا كله؟ أكثر ما يسلبه المقارنة؛ أن نقيس أسوأ ما عندنا بأجمل ما يظهره غيرنا. وقد ضاعفت الشاشات هذا الداء، إذ تعرض علينا لحظات منتقاة من حياة الناس نحسبها حياة متصلة كاملة، وإنما هي ومضات عابرة. ويسلبه العجلة؛ فقد صرنا نريد كل شيء الآن، فإن تأخر عنا شيء شعرنا بالحرمان، ونسينا أن لكل أجل كتابا وأن في التأني خيرا. ويسلبه أن نألف النعمة حتى تسقط من أعيننا فنطلب غيرها، وننسى أن أبسط ما نتقلب فيه نعمة يفقدها سوانا. وأصل ذلك كله الغفلة عن الله والجهل به؛ فإن من عرف ربه حكيما لطيفا رحيما وثق به، ومن وثق به رضي.

وعلاجه أن نقابل كل سبب بضده. أن نتعرف إلى الله في كتابه فتقوى ثقتنا به. وأن نجلس إلى أنفسنا نعد نعم الله التي لا تحصى، قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصيها)، وقال: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة). فتذكر النعم يفتح باب الحمد، والحمد يفتح باب الرضا. وربما كانت المشكلة لا تتجاوز يسيرا من حياتنا ونحن نصرف إليها كل انتباهنا، ونغفل عن نعمة تملأ أكثر العمر. وأن ننظر في الدنيا إلى من هو دوننا لا إلى من هو فوقنا، قال صلى الله عليه وسلم: “انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”. وأن نعيد تعويد العقل؛ فقد ألفنا أن نقول عند كل نازلة: لماذا أنا؟ حتى صار العقل ينتجها وحده. فلنبدلها: مكان لماذا نقول الحمد لله، ونذكر أن غيرنا يمر بما هو أشد، فيسكن القلب ويقف صراع داخلي نذكيه بأيدينا فوق ما تحملنا الحياة أصلا.

وأسرع ذلك الدعاء؛ فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقولوا: “اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء”، فسأل الرضا بعد وقوع القدر لا قبله لأنه بعده حقيقة. وعلمهم أن يسألوا: “ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا”؛ فإن اليقين لب الرضا، متى وجد هانت الدنيا كلها. ومن قال في صباحه ومسائه: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، موقنا بها، كان حقا على الله أن يرضيه.

فمن رزق الرضا أحبه الله ورضي عنه، واطمأن قلبه وذهبت همومه، فوضع رأسه وله من الهموم ما لا يحصى واثقا أن الذي دبر أولها يدبر آخرها. وصار غني النفس لا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، لا لأنه ألغى طموحه، بل لأن طموحه لم يعد يزدري نفسه ولا نعمة ربه عليه. بل يفيض على من حوله هدوءا واستقرارا، فيكون مصدر سكينة لمن معه لا مصدر تنغيص. ذلك هو الأمان الذي نطلبه في كل مكان إلا مظانه، وهو أقرب إلينا منها جميعا.

اللهم إنا نسألك قلبا بك راضيًا، وبما قسمت له قانعًا، لا يتطلع إلى ما زويت عنه، ولا يزدري ما أوليته إياه. اللهم املأ قلوبنا يقينا تهون به علينا مصائب الدنيا، وحسن ظن بك لا يتبدل في ضيق ولا في سعة، وطمأنينة تسكن بها النفوس إذا نزل القضاء. اللهم اجعلنا من الراضين عنك الذين رضيت عنهم، ومن عبادك الذين إذا أعطيتهم شكروا وإذا ابتليتهم صبروا. وتوفنا وأنت راض عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.